السعيد شنوقة
394
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج ولا تائب لأنه إنما وجب أن يتحرّج من الذنب ويثاب منه لقبحه والقبح قائم في كل ذنب . . . » « 1 » . أما أهل السنة فيرون في إفادة التوبة زوال المتوب عنه بإذن الله عز وجل ووعده ، وهو في العهدة فيما لم يتب عنه ، والمعنى كما ذكر ابن جرير : « إن خفتم ألا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها ، فكذلك خافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم فلا تتزوّجوا منهن إلا ما أمنتم منه الجور مثنى وثلاث ورباع وإن خفتم أيضا في ذلك فواحدة وإن خفتم في الواحدة فما تركت أيمانكم » « 2 » . وقد تقدم في غير هذا الموضع أن المعتزلة يوجبون على الله تعالى المجازاة على الأعمال إيجابا عقليا ، ففسّر قوله تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [ النساء : 17 ] « يعنى إنما القبول والغفران واجب على الله تعالى لهؤلاء » « 3 » ثم أضاف : « قلت : قوله إنما التوبة على الله إعلام بوجوبها عليه كما يجب على العبد بعض الطاعات » « 4 » . وموقف أهل السنة واضح في هذا لأن الأفعال كلها خلق الله لا كما يزعم المعتزلة من أن العبد خلق التوبة لنفسه بقدرته ليستوجب على الله المغفرة إذ من مقتضى حكمته أنه يجب عليه المجازاة على الأفعال إيجابا عقليا « 5 » . ولعل الرد المذكور على ما يوجبه عامة المعتزلة والزمخشري بخاصة يدل على درجة الخلاف بين الفرقتين في هذه المسألة . قال ابن المنير : « وما أبشع ما أكد الزمخشري هذا المعتقد الفاسد بقوله : يجب على الله قبول التوبة كما يجب على العبد بعض الطاعات فنظر المعبود بالعبد وقاس الخالق على الخلق ، وإنه لإطلاق يتقيّد عنه لسان العاقل ، ويقشعر جلده استبشاعا لسماعه ويتعثر القلم عند تسطيره » « 6 » .
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 496 . ( 2 ) تفسير الطبري ، ج 4 ، ص 231 وما بعدها ، وتفسير البغوي ( ت 516 ه ) ، تحقيق خالد العك مروان سوار ، دار المعرفة ، بيروت ، 1987 م ، ط 2 ، ج 1 ، ص ، 391 وابن المنير ، الإنصاف ، فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ، ج 1 ، ص 497 . ( 3 ) الكشاف : ج 1 ، ص 512 ، 566 . ( 4 ) م ن ، ج 1 ، ص 513 . ( 5 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 512 . ( 6 ) م ن ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 512 .